الشيخ محمد اليعقوبي

299

خطاب المرحلة

بعثه الله تعالى بالنبوة أن جمع عشيرته ودعاهم إلى هذا الخير الكثير حينما نزل قوله تعالى : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ( الشعراء : 214 ) . مضافاً إلى أن النظام العشائري يجعل من الأفراد كياناً فيكسبهم قوة إلى قوتهم وتنظيماً لشؤونهم والتنظيم قوة ، وفي ذلك يوصي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ( صل عشيرتك فإنهم جناحك الذين بهم تطير ) . لكن هذه الرابطة التي جعلها الله تعالى لتلك الأغراض الإنسانية تحوّلت منذ القدم إلى نظام اجتماعي يحكم أبناءه ويدير شؤونهم وربما أملاه نمط الحياة التي يعيشونها كمجتمعات بداوة ونمط الأعمال كامتلاك الثروة الحيوانية ورعيها أو الزراعة ونحوها ، وأصبح بديلًا للنظام السياسي والدولة والحكومة كما هو المعروف من حال العرب قبل الإسلام ، وكان نظاماً متخلفاً متعصباً قائماً على التفرد وإلغاء الآخر ولو بإبادته ومصادرة ممتلكاته فأزهقت الأرواح وانتهكت الأعراض وسالت أبحر من الدماء لا لشيء إلا لتلبية نداء هذه العصبية الجاهلية ، وكان من أيسر الأمور إذكاء الحروب الجنونية بين القبائل لأتفه الأمور كحرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين سنة على إثر مسابقة للخيول ، وأشعلت حرب أخرى لأن شخصاً قتل كلباً كان شيخ العشيرة الأخرى قد أجاره ونحو هذه الأمور مما لا يصدقها عاقل لولا أنها قد وقعت فعلًا . وكان حول العرب أمم نبذت هذا النظام وأنشأت لنفسها أنظمة سياسية للدولة والحكم فتقدمت مادياً وأنشأت حضارات مرموقة كالرومان والفرس . حتى بعث الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله أي على كل الأنظمة والقوانين التي حكمت البشر وأردتهم في الهلاك فذوَّب هذه الانتماءات وآخى بين المهاجرين والأنصار والذين جاءوا بعدهم من سائر الذين اعتنقوا دين الإسلام ، فكانوا كما وصفهم الله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ( الحجرات : 10 ) ووصف حالهم السابق من التشرذم والتفرق وما آلوا إليه من الوحدة والأخوة فقال تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا